أحمد ياسوف

270

دراسات فنيه في القرآن الكريم

اتسمت به السّور المكية القصار خاصة ، وظن أن الأمر سهل التناول والإحاطة به كما يوسوس له ، كأن يقول : « الفيل وما الفيل وما أدراك ما الفيل . . . إلى آخر هذا الإسفاف . ويعلّق الخطّابي على خطله في استخدام هذا النظم من وجهة نظر مضمونية : « أما علمت يا عاجز أن مثل هذه الفاتحة ، إنما تجعل مقدمة لأمر عظيم الشأن فائت الوصف متناهي الغاية في معناه ، كقوله تعالى : الْحَاقَّةُ ( 1 ) مَا الْحَاقَّةُ ( 2 ) وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ [ الحاقة : 1 - 3 ] » ، وهنا يظهر معنى الترقيع ، وإنها لخطوة مباركة من الخطّابي ، لم نجدها عند من تلاه « 1 » . ومن مظاهر سبر الأغوار عند الخطّابي تمحيصه استخدام مسيلمة العابث للمفردة ، وقد فنّده الخطّابي بموضوعية ، فهو ينقد قوله : « ألم تر إلى ربك كيف فعل بالحبلى » فيقول : « فإنّ أول ما غلط به هذا الجاهل ، أنّه وضع كلمة الانتقام في موضع الإنعام . . وإنما تستعمل هذه الكلمة في العقوبات ونحوها ، وإنما وجه الكلام مما رامه من المعنى أن يقول : « ألم تر إلى ربك كيف لطف بالحبلى » « 2 » . فكلمة « فعل » تعبر عن التهديد والعقوبة كما في قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ [ الفيل : 1 ] وقد وردت في ذكر عاد وثمود وفرعون ، وإلى هذا أشار الجاحظ عندما نبّه على الفرق بين المطر والغيث ، والجوع والسغب « 3 » ، لذلك يبدو واضحا أن كلمة « فعل » لا تناسب ضعف الحبلى . لقد درج العلماء على تسفيه كلام مسيلمة ، ونالوا منه بعبارات الاحتقار

--> ( 1 ) انظر : ثلاث رسائل ، ص / 61 . ( 2 ) ثلاث رسائل ، ص / 63 . ( 3 ) انظر البيان والتبيين : 1 / 44 .